الشيخ محمد النهاوندي

64

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

قيل : إنّه كناية عن أنّه لا وسيلة للخلاص من هذا الغيظ إلّا الموت ، فمن رام التّخلّص منه فليتمنّى الموت وقيل : إنّه دعاء عليهم بالموت قبل بلوغ ما يتمنّونه « 1 » . ثمّ أمره عليه السّلام بتهديدهم ، بقوله : إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ومطّلع على جميع ما تخفونه وتكتمونه في قلوبكم من نيّات السّوء ، والحقد والحسد على المؤمنين ، ويجازيكم بأشدّ العذاب . وقيل : إنّه جملة مستأنفة . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 120 ] إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 120 ) ثمّ بيّن اللّه تعالى شدّة حسدهم ، وتناهي عداوتهم للمؤمنين ، بقوله : إِنْ تَمْسَسْكُمْ وتصل إليكم حَسَنَةٌ وخير من ربّكم من قوّة دينكم ، وضعف أعدائكم ، وظهوركم عليهم ، والغنيمة منهم ، والألفة والمحابة بينكم ، وخصب معيشتكم ، وسعة رزقكم تَسُؤْهُمْ وتحزنهم وَإِنْ تُصِبْكُمْ وترد عليكم سَيِّئَةٌ وبليّة من مرض أو فقر أو جرح أو قتل يَفْرَحُوا ويسرّوا بِها ويشتموكم منها . ثمّ لمّا كانت هذه المرتبة من العداوة والحسد موجبا للخوف منهم ، أمّن اللّه سبحانه المؤمنين بقوله : وَإِنْ تَصْبِرُوا على عداوتهم ، وامتثال أحكام دينكم وَتَتَّقُوا ربّكم في مخالفة تكاليفه لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ ومكرهم وحيلتهم - التي يحتالونها لأجلكم - شَيْئاً من الضّرر ، فإنّكم في حفظ اللّه الموعود للصابرين والمتّقين . قال بعض العلماء : إنّ اللّه تعالى إنّما خلق الخلق للعبوديّة كما قال : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 2 » فمن وفى بعهد العبوديّة ، فاللّه سبحانه أكرم من أن لا يفي بعهد الرّبوبيّة ، في حفظه عن الآفات والمخافات ، وإليه الإشارة بقوله : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً « 3 » وقوله : وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ « 4 » إشارة إلى أنّه يوصل إليه كلّ ما يسرّه . وقال بعض الحكماء : إذا أردت أن تكبت من يحسدك ، فاجتهد في اكتساب الفضائل « 5 » . ثمّ سلّى سبحانه قلوب المؤمنين بقوله : إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ في عداوتكم من الكيد والإيذاء مُحِيطٌ علما ، ومدرك له كاملا ، فيعاقبهم عليه أشدّ العقاب .

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 8 : 201 . ( 2 ) . الذاريات : 51 / 56 . ( 3 ) . الطلاق : 65 / 2 . ( 4 ) . الطلاق : 65 / 3 . ( 5 ) . تفسير الرازي 8 : 203 .